مجموعة مؤلفين

214

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

الوجود والعدم . ولكن ابن سينا متأثر بأرسطو الذي يضع هذا الإمكان في مادة هي الهيولى الأولى . ولهذا يقول بقدم العالم بمعنى أن مادة العالم قديمة . وأما ابن عربى فيرى أن ماهيات الموجودات - أو ما يسميه « الأعيان الثابتة » - موجودة منذ الأزل في العقل الإلهى ، وأنها هي « الحق » لا غيره ؛ وأن ظهورها على مسرح الوجود معناه ظهور الذات الإلهية الواحدة في مجالي الوجود الخارجي حسبما تقتضيه طبيعة تلك الأعيان . فالعالم قديم بهذا المعنى ، أي أنه قديم في العلم الإلهى القديم . والآن وقد لخصنا موقف المعتزلة في « المعدومات » ، نشرع في شرح نظرية ابن عربى في « الأعيان الثابتة » لنتبين الصلة وتظهر الفروق بين النظريتين . يرى ابن عربى أن المخلوقات التي نطلق عليها اسم العالم الظاهر ، لها - من حيث ثبوتها في العلم الإلهى - وجود سابق على وجودها المحسوس ؛ وأنها ، من هذا الوجه ، صور أو أحوال في العقل الإلهى وفي الذات الإلهية ، إذ العقل الإلهى والذات الإلهية حقيقة واحدة : ولهذا يسميها أحيانا « ماهيات » ، وأحيانا أخرى « هويات » . أما أنها « ماهيات » فلأنها صور معقولة لحقائق الموجودات ، وأما أنها « هويات » فلأنها تعينات في الذات الإلهية الواحدة . وهو يطلق على هذه الموجودات المعقولة ، المعدومة في الوجود الخارجي ، اسم « الأعيان الثابتة » . وعلى هذا فليس للأعيان الثابتة وجود مستقل زائد على الذات الإلهية بأكثر مما لأفكارنا من وجود مستقل زائد على عقولنا . هي حقائق ثابتة ، ولكنها معقولة ؛ بل هي أصل الموجودات الخارجية التي نطلق عليها خطأ اسم الحقائق . هي مقتضيات الأسماء الإلهية التي تتعين بها الذات في صور أعيان الممكنات ، وليس في الوجود سوى اللّه وأسمائه : أي ليس في الوجود سوى الذات الإلهية وهذه الأعيان الثابتة . أما ما نسميه بالعالم فليس إلا المرآة التي تنعكس عليها الأسماء الإلهية ، وتتحقق فيها الأعيان الثابتة .